عبد الملك الجويني
325
الشامل في أصول الدين
فإن قال قائل : فما وجه تخصيص القدم بالذكر ؟ قلنا : فيه وجهان : أحدهما : أن نعبر بالقدم عن الجميع ، وذلك غير مستنكر . كما نعبر باليمين عن الجملة . فيقال : ملكت يمينه ، والمراد به ملكه . والوجه الآخر : وهو الذي تشهد له بعض الأحاديث ، وذلك أنه روي أن النار تهسك يوم القيامة حتى تبيّض ، كأنها متن إهالة ، حتى إذا استوت عليها أقدام الخلائق ، تمشت إلى أهلها ، ولهي أعرف بهم من الوالدة بولدها . فيجوز أن نقول : النار منتقمة ، متشفية من أعداء اللّه قط قط كالبالغ كنه مراده . فإن قيل : ما وجه توحيد الجبار ذكرا ؟ قلنا : يجوز أن يحمل على جنس الجبابرة ؛ كما يحمل قوله تعالى : إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [ العصر : 2 ] على الناس . ومنه قول الحجاج « 1 » في خطبته : يا أيها الرجل ، وكلكم ذلك الرجل . ولا يبعد أن يريد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم واحدا معينا من الجبابرة ، به تتم عدة أهل النار . وعلى قريب من ذلك يحمل ما روي في بعض الأحاديث : أن يصير جلد الكافر في النار أربعين ذراعا بذراع الجبار . قال أهل التحصيل : بذراع الملك ، وهو ذراع معلوم ، معهود في المساحة . وقد حمل بعض أهل التأويل القدم على وجه آخر . فقال : لعل القدم اسم لبعض الأمم الذين استوجبوا النار في علم اللّه ، وبهم يتم ملأ جهنم ، وهذا ممكن غير بعيد ، وقد حمله بعض الناس على مالك خازن النار . إذ روي في الحديث لسطواته على النار ، وأنه قد يغضب عليها فتندك ، ويأكل بعضها بعضا من خيفته . فلا يبعد حمل الحديث عليه . وكل ذلك أولى من أن يظن الظان أن القدم جارحة تعالى اللّه عنها ، وهي تقدم وتؤخر ، وتحيط بها أكتاف جهنم وأطرافها ، ومن اعتقد ذلك ، فقد باح بالكفر الصراح . ومما يقع السؤال عنه ما روي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إن قلوب الملوك بين إصبعين من أصابع الرحمن » « 2 » . والكلام على هذا الحديث [ من ] « 3 » أوجه : منها أن يحمل الإصبع على
--> ( 1 ) الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي ( 40 - 95 ه 660 - 714 م ) أبو محمد ، قائد ، داهية ، سفاك خطيب . ولد ونشأ في الطائف ، وانتقل إلى الشام فلحق بروح بن زنباع فكان في عديد شرطته ثم ما زال يظهر حتى قلده عبد الملك أمر عسكره ، وأمره بقتال عبد اللّه بن الزبير ، فزحف إلى الحجاز بجيش كبير وقتل عبد اللّه وفرق جموعه ، فولاه عبد الملك مكة والمدينة والطائف ، ثم أضاف إليها العراق والثورة قائمة فيه ، فانصرف إلى بغداد فقمع الثورة وثبتت له الإمارة عشرين سنة وبنى مدينة واسط ( بين الكوفة والبصرة ) . وكان سفاكا سفاحا . مات بواسط . الأعلام 2 / 168 ، وتهذيب 2 لتهذيب 2 / 210 ، ووفيات الأعيان 2 / 29 - 54 . ( 2 ) أخرجه مسلم ( قدر ، 17 ) ، وابن ماجة ( دعاء ، 2 ) ، وأحمد بن حنبل 2 - 168 ، 3 - 112 ، 257 . ( 3 ) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق .